ناقش باتريك وينتور تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، معتبرًا أن هذا الصراع القصير نسبيًا قد يترك آثارًا جيوسياسية تتجاوز في أهميتها تداعيات حرب فيتنام، رغم الفارق الهائل في الحجم والخسائر البشرية بين التجربتين. ويرى أن الحرب كشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية في عالم مترابط لم تعد فيه القوة النارية وحدها كافية لتحقيق الأهداف السياسية.


وأشارت صحيفة الجارديان إلى أن الحرب عززت الانطباع بوجود خلل في التخطيط الاستراتيجي الأمريكي، إذ انتهى التدخل العسكري إلى نتائج تبدو بعيدة عن الأهداف التي سعت واشنطن وتل أبيب إلى تحقيقها، بينما عادت الأوضاع إلى ما يشبه نقطة البداية مع تكاليف اقتصادية وسياسية مرتفعة.


تداعيات الحرب على النفوذ الأمريكي والإسرائيلي


يرى الكاتب أن الحرب وجهت ضربة قوية للاستراتيجية الإسرائيلية التي سعت طوال سنوات إلى إحداث تغيير جذري داخل إيران. فبدلًا من إضعاف النظام الإيراني، عززت المواجهة تماسكه وأعادت إحياء خطاب المقاومة داخليًا، كما أثارت تساؤلات داخل الولايات المتحدة بشأن جدوى الارتباط الوثيق بالسياسات الإسرائيلية في المنطقة.


ودفعت الحرب دول الخليج إلى إعادة تقييم علاقاتها الأمنية والاستراتيجية مع واشنطن، خاصة في ظل تعرض منشآت حيوية ومصالح اقتصادية لمخاطر مباشرة خلال المواجهة. كما تراجعت التوقعات المتعلقة بتوسيع مسار التطبيع الإقليمي مع إسرائيل، بعدما تصاعدت المخاوف من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.


ويشير التقرير إلى أن دولًا إقليمية مثل السعودية وتركيا وقطر ومصر وباكستان لعبت دورًا متزايد الأهمية في دفع الأطراف نحو التهدئة، وهو ما يعكس تحولات أوسع في موازين النفوذ الإقليمي بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.


دروس عسكرية واقتصادية من الصراع


أبرزت الحرب فعالية الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة بوصفها أداة قادرة على موازنة الفجوة العسكرية بين القوى الكبرى وخصومها. ورغم الضربات المكثفة التي نفذتها الولايات المتحدة ضد أهداف إيرانية، لم تحقق العمليات العسكرية الحسم المتوقع، بينما استنزفت موارد مالية وعسكرية كبيرة.


كما كشفت الأزمة أهمية مضيق هرمز في الاقتصاد العالمي. فأدركت إيران أن موقعها الجغرافي يمنحها ورقة ضغط استراتيجية مؤثرة على أسواق الطاقة العالمية، وهو ما جعل أي تهديد للمضيق مصدر قلق واسع للدول الصناعية والأسواق الدولية.


وحذر مراقبون من أن استمرار آثار الحرب الاقتصادية قد ينعكس على مستويات المعيشة في أوروبا والولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة، خصوصًا إذا استمرت اضطرابات الطاقة وارتفعت تكاليف النقل والإنتاج.


إيران بعد الحرب ومستقبل النظام الدولي


يؤكد التقرير أن إيران خرجت من الحرب أضعف اقتصاديًا لكنها أكثر ثقة بقدرتها على الصمود. فبعد أن نجح النظام في تجاوز موجة الاغتيالات والضربات العسكرية التي استهدفت قياداته، عزز حضوره الداخلي ورفع مستوى الردع في مواجهة خصومه.


وفي المقابل، تواجه السياسة الخارجية الأمريكية انتقادات متزايدة داخل الأوساط الدبلوماسية والأكاديمية. ويرى عدد من الخبراء أن الحرب أضعفت الثقة بالنظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لعقود، وشجعت دولًا متوسطة القوة على بناء تحالفات جديدة بعيدًا عن المظلة الأمريكية.


ويخلص الكاتب إلى أن أهمية هذه الحرب لا تكمن في مدتها أو حجمها العسكري، بل في الرسائل التي أرسلتها إلى العالم بشأن حدود القوة الأمريكية وطبيعة التوازنات الجديدة. فكما أصبحت حرب فيتنام رمزًا لمرحلة تاريخية سابقة، قد تتحول حرب إيران إلى علامة فارقة تكشف انتقال النظام الدولي نحو مرحلة أكثر تعددية وتعقيدًا، تتراجع فيها قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها عبر القوة العسكرية وحدها.

 

https://www.theguardian.com/world/ng-interactive/2026/may/31/donald-trump-iran-excursion-vietnam-war